Skip directly to content

تمهيد

Addthis

Share via Social Media

 غالباً ما ينغمس أطراف النزاع في تاريخ نزاعهم، ويستحوذ تاريخ الظلم وخلفيته على المظلوم أكثر مما يفعل على الظالم. وتتأثر شدة هذا الاستحواذ وطوله على المظلوم بعدة عوامل: فهناك طبيعة الحيف الذي حلّ في المقام الأول؛ ثم موقف الأطراف الأخرى من هذا الحيف؛ وأخيراً لا آخراً، مسلك الطرف المستبدّ الظالم بعد ما اقترفت يداه ما اقترفت.

          وفي حالة الفلسطينيين وهم الطرف المظلوم في صراعهم مع الصهيونية، فإننا نجد أن هذه العوامل قد تضافرت معاً لتطيل وتشدد من وطأة استحواذ التاريخ عليهم. ففي غضون سبعين سنة تقريباً، بين مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وسنة 1948، كان الفلسطينيون هم الطرف المتلقي للضربات المتعاقبة على يد الصهيونية وحماتها. أما الصهيونية، وهي حركة سياسية استيطانية يهودية أوروبية المنشأ، فقد جابهتهم بأشد التهديدات فتكاً، ألا وهو إنكار حقهم الأصيل الثابت في ديار آبائهم وأجدادهم: فلسطين. ولم يبق هذا التهديد في حدود الافتراض؛ إذ أن سنة 1948، وهي سنة الكارثة كما يدعوها العرب، شهدت ذروة الاستعمار الصهيوني المحتومة، التي أخذت عناصرها تتجمع منذ ثمانينات القرن الماضي، والتي اتخذت شكل الظاهرة المزدوجة، من حيث أنها أدت إلى إنشاء دولة إسرائيل بقوة السلاح في الجزء الأكبر من أرضي فلسطين، وإلى اقتلاع الأهالي الفلسطينيين من نحو عشرين مدينة وأربعمئة قرية، غدت بأملاكها ومزارعها جزءاً من الدولة اليهودية الجديدة. وخلال سنة 1948 ذاتها، لقي عشرة آلاف فلسطيني ـ على الأقل ـ مصرعهم، في حين أصيب ثلاثة أضعاف ذلك الرقم بجروح، وبات نحو 60% من السكان الفلسطينيين آنذاك (أي 700.000 شخص تقريباً) مشردين بلا مأوى.

          ولقد أبدى الرأي العام العالمي تعاطفاً مع الفلسطينيين. وانحازت دول العالم الثالث (ومنها الهند) بغريزتها إلى قضيتهم، وهي التي كانت قبل وقت قريب ضحية الاستعمار الأوروبي. كما أن الدول الشيوعية (ومنها الاتحاد السوفياتي والصين) ـ على الرغم من اعترافها بوجود إسرائيل ـ قد أعربت عن تأييدها للفلسطينيين، لأنها نظرت إلى نضالهم في سياق المعارضة للاستعمار الغربي من جهة، وبسبب اعتبارات استراتيجية من جهة أخرى. كذلك أظهرت قطاعات مهمة من الرأي العام في أوروبا الغربية تفهماً لمحنة الفلسطينيين، وهو ما يعكس مؤثرات قرون عديدة من ارتباط أوروبا بالشرق الأوسط وحساسيتها له.

          وعلى الرغم من رضا الفلسطينيين عن تعاطف الرأي العام العالمي معهم، فإن هذا التعاطف بات عديم الأثر تحت وطأة الدعم الهائل الذي حظيت به الصهيونية من جانب الولايات المتحدة، قبل سنة 1948 وبعدها. فالولايات المتحدة تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية ـ في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة ـ عن تحريك الأحداث في فلسطين تجاه عواقبها الرهيبة سنة 1948. كما تصاعد الدعم الأميركي لإسرائيل باطراد منذ ذاك، على الرغم من أن إسرائيل قد واصلت حينها إنكارها على الفلسطينيين حقوقهم القومية والانسانية. ولقد كان الدعم الأميركي هو الذي مكّن إسرائيل ـ قبل كل شيء آخر ـ من الامعان في هذا الإنكار. ولعل ما يلهب مشاعر الفلسطينيين بوجه خاص أن موافقة الولايات المتحدة على اقتلاعهم من بلادهم قد تمت تحت شعار تأييد القيم الديمقراطية التي يتغنى بها المجتمع السياسي الأميركي. ومن دواعي السخرية في كل ذلك، أن هناك من الدلائل ما يفيد بأن أغلبية الشعب الأميركي تؤيد فكرة التوصل إلى حل متوازن للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يضمن وجود إسرائيل من ناحية، كما يضمن من ناحية أخرى حقوق الفلسطينيين القومية، وعلى رأسها حقهم في تقرير المصير.

          وقد استبعد مهندسو ما يسمى "الحلم" الصهيوني من حسابهم ـ منذ البدايات الأولى لاستعمارهم فلسطين ـ كل العواقب المحتملة الوقوع على الفلسطينيين، ورفضوا النظر إلى واقع الصهيونية كما هي وكما تجسّد فعلاً على الأرض، واعتبروا "حلمهم" ذاك طاهراً نقيّاً من كل وصمة، وأن أي اختلاف بين الحقيقة المرّة وهذا الحلم لا يعدو أن يكون مجرد استثناء شاذ عن براءة الحلم. وهكذا، استؤصلت من الوعي اليهودي تلك العلاقة المنطقية بين الفعل الصهيوني وردة الفعل الفلسطينية، واعتبروا الأول دفاعاً والثانية هجوماً؛ فمنذ سنة 1948، أذعن الإسرائيليون ـ باستثناء قلة انتظمت في حركة السلام ـ لحالة نفسية وذهنية (وهي حالة تراود الظلمة الجائرين)، تكمّل حالة استحواذ الماضي على أذهان الفلسطينيين. وتتمثل هذه الحالة في المقت الشديد لأي إنعام للنظر في السجل التاريخي للصهيونية في فلسطين منذ ثمانينات القرن الماضي، بما ينطوي عليه ذلك التدقيق من مغزى خلقي. ولقد بلغ هذا المقت أشده (وباتت الحاجة النفسية إليه طاغية) إلى درجة أن الإسرائيليين قد أقنعوا أنفسهم ومؤيديهم ـ بعملية مراجعة وترشيد للتاريخ ـ بأن الفلسطينيين لم يكن لهم وجود قط قبل سنة 1948، أو أنهم كانوا ـ على فرض وجودهم ـ البادئين بإشعال شرارة الصراع وإيذاء أبناء صهيون. وقد تملت اللمسات الأخيرة التي أضفاها الإسرائيليون على هذا النهج الفكري، في تصنيف ضحاياهم الفلسطينيين باعتبارهم "متعصبين" و"إرهابيين" لا بد من رد سلوكهم إلى ينابيع تراثية بدائية متأصلة في نفوسهم العربية والاسلامية. ومن هنا أمكن تفسير الدوافع وراء المقاومة الفلسطينية للصهيونية وإسرائيل في نطاق أبعد ما يكون عن سياق النزاع نفسه، وبالتالي عن المسؤولية الخلقية لإسرائيل والصهيونية.

          وحتى لو كانت سنة 1948 خاتمة الظلم الذي ألحقته الصهيونية بالفلسطينيين، لظل الزمن يواجه أعسر مهمة في علاج جروحهم.

          لكن واقع الأمر أن إسرائيل قد امتنعت، بعناد وإصرار، طوال العشرين سنة بين 1948 و1967، عن إبداء أية لفتة إنصاف أو مهادنة، سواء في شكل إعادة اللاجئين إلى ديارهم أو تعويضهم أو إجراء بعض تعديلات في الحدود التي اغتصبتها. وقد لجأت، بدلاً من ذلك، إلى إضفاء صفة الشرعية الزائفة على نزعها لملكيات اللاجئين الفلسطينيين، منقولة كانت أم ثابتة، وتحويل هذه الممتلكات إلى الحيازة اليهودية. كما فرضت الحكم العسكري على الأقلية الفلسطينية المرتعبة التي بقيت في إسرائيل. وفضلاً عن ذلك، فقد شنت عمليات عسكرية، لا تتلاءم أبداً مع انتهاكات الحدود البسيطة التي قام بها البائسون من اللاجئين ضد القرى الفلسطينية في الضفة الغربية التي كانت تحت الادارة الأردنية، وضد قطاع غزة الذي كان تحت الادارة المصرية، وهي قرى كانت إسرائيل قد استولت أصلاً على أفضل أراضيها الزراعية سنة 1948. كما ضمن قسراً المناطق المنزوعة السلاح والمناطق الحرام في الضفة الغربية وعلى الحدود السورية والمصرية، وحولت ـ بقرار منفرد منها ـ مياه نهر الأردن لخدمة مصالحها. ولوّحت، مراراً وتكراراً، بجبروتها بإقامة عروض عسكرية في القدس الغربية. وفي غضون السنوات العشرين تلك، تحولت المشكلة الفلسطينية إلى صراع بين إسرائيل والدول العربية المجاورة. وفي الستينات، وجد القنوط الفلسطيني متنفساً له في مفهوم الصراع المسلح تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية.

          غير أن إسرائيل أمعنت في تعنتها سنة 1967. فبعد أن كان قد انتزعت القسم الأكبر من أرض فلسطين سنة 1948، عقدت النية على انتزاع ما تبقى من الأراضي في أيدي الفلسطينيين. فبين حزيران/ يونيو وأيلول/ سبتمبر 1967، طردت عبر نهر الأردن نحو 25,000 من سكان مخيمات اللاجئين المقامة على أراضي الضفة العربية وقطاع غزة. وشرعت تطبق في الأراضي المحتلة حديثاً، سياسة الاستعمار المنهجي نفسها التي سبق أن اتبعها الصهاينة في فلسطين ابتداء من ثمانينات القرن الماضي حتى سنة 1948؛ وهي السياسة التي تمخضت عن خلق المشكلة الفلسطينية في المقام الأول.

          ونظراً إلى أن إسرائيل قد تمتعت بممارسة السلطة المطلقة على الأراضي المحتلة منذ سنة 1967، فقد سهلت على نفسها استعمار هذه الأراضي من خلال سلسلة كاملة من الإجراءات الادارية، والقضائية، والاقتصادية، والنفسية، والمادية. فبعد وقف إطلاق النار مباشرة في حرب حزيران/ يونيو 1967، ضمت إسرائيل القدس الشرقية، وأعلنت المدينة "الموحدة" عاصمة لها. كما تم توسيع حدود بلدية القدس لتشمل مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. وقد تم نزع ملكية قطاعات استراتيجية مهمة من هذه الأراضي، لتقام عليها مشاريع سكنية لإيواء المستوطنين اليهود "العائدين إلى بلادهم" من روسيا والولايات المتحدة. وأرسلت الجرارات إلى القدس القديمة لتهديم أبنية دينية إسلامية موقرة، يعود تاريخها إلى القرون الوسطى، كانت قريبة من حائط المبكى. وصدرت القرارات بالاستيلاء على المئات من الممتلكات العقارية والأوقاف الخيرية والذرّية للأسر المسلمة داخل حدود البلدة القديمة، تحقيقاً "للمصلحة العامة"، وحولت ملكيتها إلى الحيازات اليهودية. وبدأ العمل في التنقيب على نطاق واسع جوار الأسس المعمارية التي يقوم عليها أقدس المزارات الإسلامية، من دون الحصول على إذن مسبق من الهيئات الدينية الاسلامية. وقامت السلطات الإسرائيلية بإزالة ثلاث قرى مزدهرة قابعة على السفوح حول اللطرون، من مواقعها كلياً، وطردت الآلاف من سكانها بين عشية وضحاها.

          وكان حجر الزاوية في السياسة الإسرائيلية ما يُعرف بأحكام الطوارىء التي بُعثت من مرقدها منذ أيام الحكم البريطاني الاستعماري. ومن مقتضيات هذه الأحكام إلقاء القبض على الأشخاص من دون إنذار، وفرض الرقابة على الصحف والكتب والبرقيات والرسائل، وتقييد حركة الأهالي ومنع اتصالهم بالغير، وطرد الموظفين بأمر من وزير الدفاع، وإصدار الأوامر بالنفي الداخلي، والترحيل عن البلاد من دون استصدار موافقة قضائية، وفتح مناطق وإغلاقها، وفرض حظر التجول إلى آماد غير محددة، ومصادرة الممتلكات وتدميرها. وفي ظل حماية هذه الإجراءات تجاهلت السلطات الإسرائيلية المحتلة قواعد الالتزام بالإجراءات القانونية، كما لم يعد لحرية التعبير والاجتماع والتنقل وجود. وقامت السلطات الإسرائيلية بنسف الآلاف من المساكن لمعاقبة من اشتبه في اشتراكهم في المقاومة. كما تم الترخيص لقوات الجيش بإطلاق الأعيرة النارية الحية على تظاهرات المدنيين غير المسلحين، ومنهم تلاميذ المدارس. واعتقل الآلاف من الفلسطينيين، وتعرض المئات للتعذيب في السجون. أما الحياة العلمية الأكاديمية فقد اضطربت بسبب وقف الدراسة في المدارس والجامعات بين حين وآخر، والغزو المتكرر لقاعات الدراسة ودور السكن من قبل وحدات خاصة في الجيش الإسرائيلي. وصدر قرار بإبعاد المئات من كبار الشخصيات (ومنهم: الأطباء، ورجال الدين، والمدافعات عن حقوق المرأة، والقضاة، وأساتذة الجامعات، وموظفو الدولة، وزعماء النقابات). كما طرد رؤساء البلديات المنتخبون من مناصبهم، وتم ترحيلهم إلى الخارج، بل انهم تعرضوا (في بعض الحالات) لإصابات سببت لهم عاهات مستديمة، بتواطؤ من المسؤولين الإسرائيليين. وقدمت الرشوة والأسلحة للوشاة والخونة، وسمح لفرق من المستعمرين الإسرائيليين الذين سلحتهم حكومتهم، بتنفيذ القانون بأنفسهم، والقيام بأعمال القتل والتخريب.

          أما في الميدان الاقتصادي، فقد باتت الأراضي المحتلة سوقاً مرهونة بالسلع الإسرائيلية على حساب الصناعات المحلية. وتم استغلال حاجة القرى الفلسطينية الاقتصادية، من أجل إيجاد سوق من الأيدي العاملة الرخيصة للعمل لقاء أجور زهيدة، في وظائف لا يقبل أي إسرائيلي بأن يقترب منها. وصادرت السلطات الإسرائيلية موارد المياه في الضفة الغربية، لا ليستخدمها المستعمرون الإسرائيليون في الأراضي المحتلة، وإنما لتستفيد منها إسرائيل ذاتها. بل ان حفر الآبار أو زرع الأشجار وإنبات الخضروات من قبل الفلسطينيين أصبح مستحيلاً إلا بإذن رسمي من الحاكم العسكري الإسرائيلي.

          وتركزت السياسة الإسرائيلية على تنفيذ عمليتين متكاملتين: الأولى نزع ملكية الأراضي من الفلسطينيين أو منعهم من دخولها، والثانية بناء مستعمرات ("مستوطنات") ومدن يهودية على هذه الأراضي، أو الاستيلاء عليها لفائدة الدولة الإسرائيلية مباشرة. وتم البحث والتفتيش في كل زاوية مظلمة من زوايا  تشريعات الأنظمة السابقة في فلسطين (ومنها الأردنية والبريطانية والعثمانية وما قبلها)، لإيجاد ذريعة يمكن بها "تقنين" أو ترشيد أو تبرير الاستيلاء على الأراضي من ملاّكها في القطاع الخاص أو العام، سواء كانوا مقيمين أو غائبين أو من المستأجرين أو اللاجئين أو الرعاة أو البدو. فإذا لم تتوفر الذرائع كانت الأرض الفلسطينية تعتبر، بجرة قلم، "إرثاً قومياً" للشعب اليهودي. وبحلول سنة 1984، كانت السلطات الإسرائيلية قد استولت على نحو 50% من أراضي الضفة الغربية و30% من أراضي قطاع غزة، باعتبارها "ممتلكات غائبين"، أو "أراضي مسلجة لحساب الدولة (أي للحكومة الأردنية)"، أو مناطق "مطلوبة لأغراض عسكرية"، أو أرضاً تم نزع مليكتها "للمصلحة العامة". وفي كل الأحوال، خصصت هذه الأراضي المصادرة للاستعمال الخاص للحكومة الإسرائيلية أو المواطنين اليهود في إسرائيل.

          ورافق عملية الاستيلاء على الأرض مشروع إنشاء المستعمرات والمدن اليهودية. وفي البداية، تسترت هذه المستعمرات وراء أقنعة عسكرية أو غير عسكرية في المناطق غير الآهلة، في شكل مخافر أُنشئت لدواعي "الأمن"، أو حتى في شكل مخيمات "للتنقيب عن الآثار". لكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، التي تشجعت أساساً بتغاضي الولايات المتحدة وتمويلها لعملية الاستيطان، شرعت في إنشاء مستعمرات ومدن وسط المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان، تحت شعار ما ورد في التوراة من "حق العودة" إلى كل "أرض إسرائيل". وبحلول سنة 1984، كان المستعمرون اليهود يعيشون في نحو 140 مستعمرة ومدينة في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي حين أن نسبة بسيطة من الأرض المصادرة (30,000 دونم من أصل 2,15 مليون دونم "والدونم الواحد يعادل ألف متر مربع")، كانت ملكاً ليهود في تلك الأراضي قبل سنة 1948، فإن إعادة الممتلكات إلى أصحابها في عهد ما قبل سنة 1948، قد اقتصرت على اليهود وحدهم ولم ينطبق هذا الإجراء على ممتلكات الفلسطينيين في القدس الغربية وإسرائيل نفسها.

          ورأى الفلسطينيون وزعامتهم الممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، وقد ملأ الهلع نفوسهم، مواطنيهم في القدس الشرقية وقطاع غزة والضفة الغربية وهم يواجهون الفناء بالاختناق البطيء، وهو مصير كان أسوأ مما احتمله آباؤهم وأمهاتهم في الفترة المنتهية بسنة 1948.

          وردت منظمة التحرير الفلسطينية على سلب الصهيونية لشرعية الفلسطينيين، بأن رفضت الاعتراف بشرعية إسرائيل، وجابهت العنف الإسرائيلي بعنف فلسطيني مضاد. وكلما نشطت المنظمة في عملياتها اشتد ساعد الفلسطينيين في ظل الاحتلال، وكلما رسخت أقدام الفلسطينيين في ظل الاحتلال اشتد تصميم الإسرائيليين على اقتلاع جذور القرار الفلسطيني المستقل، المتمثل في المؤسسات المدنية والعسكرية في المنظمة. ومن هنا، دمر الإسرائيليون وادي الأردن (الذي باشرت منظمة التحرير الفلسطينية نشاطها عبره من الأردن) في الفترة ما بين سنة 1968 وسنة 1970. ومن هنا، أيضاً دمر الإسرائيليون الجنوب اللبناني وضواحي بيروت (حيث اتخذت منظمة التحرير الفلسطينية قاعدتها بعد سنة 1971)، مما أفضى في النهاية إلى محاصرة العاصمة اللبنانية واقتحامها، وحدوث مذبحة صبرا وشاتيلا سنة 1982.

          والحال المتميز للفلسطينيين الآن (سواء كانوا في ضواحي بيروت أو القدس القديمة أو غيرها) يشير إلى أن عذابهم، جسمانياً كان أم ذهنياً، هو أبعد ما يكون عن التلاشي في زوايا الذكريات البعيدة؛ ذلك بأن جروح الماضي ما زالت تلتهب جنباً إلى جنب مع جروح الحاضر، وظلم الأمس ما زال يتزامن مع ظلم اليوم.

          وبعد، فإن النظرة الاستعادية للأحداث كثيراً ما تخدم غرضاً بناء، وهو ما يهدف إليه هذا الكتاب، الذي نأمل بأن يلقي الضوء على الفلسطينيين كشعب في فلسطين قبل تشتتهم، وعلى منشأ وتطور المشكلة الفلسطينية عبر أطوار  تشكيلها. ومن خلال هذا، قد يثير الكتاب فهماً للواقع الفلسطيني اليوم، وللمتطلبات الدنيا التي يمكن قبولها للتوصل إلى تسوية مستساغة، من وجهة النظر الفلسطينية، على أساس الواقع التاريخي الفعلي.

*   *   *

          إن موضوع هذا الكتاب محدود عن قصد وسابق تصميم، وكذلك الفترة الزمنية التي يغطيها. أما لبّه فهو الصور وتعليقاتنا عليها. ونحن لم نهدف فيه إلى دراسة الصهيونية بحد ذاتها، ولا إلى عرض الصراع العربي ـ الصهيوني بصورة عامة. وقد اخترنا سنة 1876 بداية للفترة التي يعالجها لسببين: أولهما أن أقدم صور للفلسطينيين أمكننا الحصول عليها تعود إلى هذا التاريخ؛ وثانيهما أن بدايات الحركة الصهيونية في أوروبا الشرقية جاءت في الوقت نفسه. أما اختيارنا لـ 15 أيار/ مايو 1948 نهاية للفترة التي يعالجها الكتاب، فذلك لأن هذا هو تاريخ نهاية الانتداب البريطاني ونهاية مرحلة الحرب الداخلية من الحرب العربية ـ الصهيونية الأولى، كما أنه تاريخ قيام إسرائيل قسراً وعنوة، وبداية الشتات الفلسطيني الذي نتج عنه. ولم نعمد، إلا فيما ندر، إلى تضمين هذا الكتاب صوراً لأحداث معاصرة وقعت خارج فلسطين. ولم نَعُد إلى ما قبل سنة 1876 في مقدماتنا، باستثناء مقدمة القسم الأول التاريخية.

          وللكتاب بنيان زمني، وتعالج أقسامه الرئيسية الخمسة الفترات الآتية بالتتالي: أولاً، أيام الحكم العثماني الأخيرة (1876 ـ 1918)؛ ثانياً، الفترة ما بين الاحتلال البريطاني والثورة الكبرى (1918 ـ 1935)؛ ثالثاً، الثورة الكبرى (1936 ـ 1939)؛ رابعاً، الفترة ما بين مؤتمر لندن وتوصية الأمم المتحدة بالتقسيم (1939 ـ 1947)؛ خامساً، فترة الأشهر الستة من الحرب الداخلية (تشرين الثاني/ نوفمبر 1947ـ أيار/ مايو 1948).

          وتتمحور الصور في القسم الأول حول بعض نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية، وينتهي القسم بصور لشخصيات وأفراد. وتتمحور الصور في القسمين الثاني والرابع، ولكن بصورة أكثر دقة وتفصيلاً، حول النواحي ذاتها المذكورة آنفاً. أما الصور في القسمين الثالث والخامس، فتقتصر على الأحداث السياسية والعسكرية الجسام التي وقعت خلال الفترتين اللتين يعالجهما القسمان. وتغطي صور القسم الأول أطول فترة زمنية، أي نحو أربعين عاماً. بينما تغطي صور القسم الخامس أقصر الفترات، أي نحو ستة أشهر فحسب. وقد بذلنا قصارى جهدنا لتحديد تاريخ كل صورة بالضبط، وفي حال تعذر ذلك حاولنا أن نقرره على وجه التقريب.

          وقد اخترنا معظم الصور المنشورة في هذا الكتاب ـ وعددها 474 صورة ـ من نحو عشرة آلاف صورة تشكل أرشيف مؤسسة الدراسات الفلسطينية الفوتوغرافي الذي تم نقله من بيروت إلى جنيف في سويسرا. وأهم مجموعات هذا الأرشيف هي مجموعة المرحوم الأستاذ واصف جوهرية، ومجموعة المرحوم الأستاذ خليل رعد. وقد أضيف إليهما صور عديدة تبرع بها أصحابها، أو حصلنا عليها من أفراد فلسطينيين وغيرهم من العرب. وحصلنا كذلك على مختارات من الأراشيف الفوتوغرافية التي تحتفظ بها مؤسسات أجنبية في بريطانيا والولايات المتحدة، أشرنا إليها جميعاً أدناه.

          ولم يكن من اليسير أن نحصل على الصور اللائقة، أو أن نجمع التفاصيل الدقيقة اللازمة عنها، من أبناء شعبنا الموزعين في شتاتهم على عشرات البلاد في شتى أرجاء المعمورة. ومما زاد في صعوبة العمل تدهور الأوضاع المستمر في لبنان العزيز. ولا جدال في أن العدد من الصور الوثيقة الصلة بموضوعنا متوفر هنا وهناك في هذا البلد أو ذاك، ولم نتمكن من الوصول إليها، وأن البحث الحثيث عنها كان من شأنه أن يغني ما اخترناه للنشر في الصفحات التالية، غير أنه تحتم علينا أن نقف عند حد معين في السعي وراء المزيد من الصور لأسباب عملية بحتة.

          ولقد كان اختيارنا للصور المنشورة على أساس قرب صلتها بموضوعنا وبمضمون الكتاب، وآثرنا في ذلك دوماً تقديم  المضمون على المقاييس الجمالية، حتى أننا اخترنا في بعض الحالات صوراً لا تتحلى بأية ميزة فنية بسبب محتواها. وورد بعض الصور في مواقعه داخل قسم معين، بسبب اعتبارات التوازن داخل ذاك القسم. وعلى الرغم مما بذلناه من جهد لتغطية نواحي الحياة في فلسطين كافة، فما زالت في هذا الكتاب عدة ثغرات عجزنا عن سدّها، فعسى أن يأتي من بعدنا من يوفق أكثر منا.

          ولكل صورة رقمان: رقم تسلسلي بحسب ورود الصورة في الكتاب، ورقم جدولي بحسب تصنيف الصورة في المجموعة الأصل، إما في أرشيف مؤسسة الدراسات الفلسطينية وإما في غيره من المجموعات الخارجية التي اخترناها منها. والأرقام الواردة في متن الكتاب مع تعليقاتنا، هي الأرقام التسلسلية. بينما تشير لائحة مصادر الصور، الواردة على الصفحات 349 ـ 351، إلى الأرقام الجدولية أيضاً. ولقد تم نسخ العديد من صور الكتاب عن لوحات طبق الأصل، لأن الصور الأصلية ذاتها لم تكن دائماً متوفرة. ولقد استعملنا كلمة "فلسطيني" دوماً بمعنى "فلسطيني عربي" بالتحديد.

          ويبقى أن العديد من المؤسسات والأفراد ساهم في إعداد هذا الكتاب، إضافة إلى الذين وردت أسماؤهم في كلمة الشكر الخاصة السابقة، فوجب الشكر لمتحف الحرب الامبراطوري في لندن، ولخدمات ماتسون الفوتوغرافية في المعهد الأسقفي بمدينة الحمراء في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، ولمركز الإعلام التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، ولمكتب الهيئة العربية العليا السابق في بيروت، التي أذنت جميعاً لنا في نشر الصور المنقولة عن مجموعاتها.

          وقد أبدى الأخ الدكتور فتحي قدورة اهتماماً خاصاً بهذا المشروع، وذلك بالنيابة عن إحدى الجهتين اللتين تكرمتا برعايته، وهي البنك العربي المحدود في عمان. وراجع البروفسور جون منرو، من الجامعة الأميركية، مسودة التعليقات الأولى. أما السيدة جوليانا بك والأب دانيال هارنغتون اليسوعي، فقد قاما بقراءة التمهيد والمقدمات والتعليق عليها، بينما قام السيد محمد علي الخالدي بمراجعة متن الكتاب بكامله، بغية ضبط تطابق المعلومات، فوجب الشكر لهم جميعاً. أما السيد سعيد أبو حمدة وحرمه فقد قاما، بهمة لا تعرف الملل ودقة تثير الإعجاب، باستنساخ الصور الفوتوغرافية. وكان للسيدة مارثا دوكاس، من مدينة بوسطن، الفضل في أن عرّفتنا  على السيد ريتشارد زونغي، من مدينة بوسطن أيضاً، وهو الذي تولى تصميم الكتاب.

          ووجب الشكر أيضاً للآتية أسماؤهم الذين إما قدموا لنا صوراً من مجموعاتهم العائلية وإما ساهموا في تعريفنا على محتوياتها: الأستاذ عبد الرحمن الهادي وحرمه، الآنسة ثريا أنطونيوس، السيدة حرم حنا عصفور، الأستاذ أنطون عطا الله، السيدة حرم معين بسيسو، الأستاذ عبد الرحمن بشناق، الأستاذ كامل ديب، الدكتورة سلمى الجيّوسي، الأستاذ سليم كاتول، الأستاذ خلوصي الخيري وحرمه، الأستاذ فؤاد سابا، الأستاذ يوسف شديد، السيدة هيلدا جورج شبر، الأستاذ عادل التاجي وحرمه، الدكتور عزت طنوس، الأستاذ غالب سليمان طوقان، المرحومة السيدة سهى طوقان، السيدة ملي زيادة، الدكتور نقولا زيادة.

          تبقى كلمة شكر أخيرة للسيد سمير الديك الذي تولى الإعداد اللغوي والتصحيح الطباعي للنسخة العربية من هذا الكتاب، والسيد طعان صعب الذي أشرف على مراحل طباعته.

تشرين الثاني/ نوفمبر

  وليد الخالدي

  كمبريدج، ماسشوستس

          

التعليقات